مرتضى الزبيدي

16

تاج العروس

النّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه قال وهو يُمَجِّد اللهَ : " أنتَ الأوَّلُ فليس قبلَكَ شَيْءٌ ، وأنتَ الآخِرُ فليس بعدَكَ شَيْءٌ . وفي النهاية : الآخِرُ من أسماءِ اللهِ تعالَى هو الباقِي بعدَ فَناءِ خَلْقِه كلِّه ناطِقِه وصامِتِه . وهي ، أي الأُنْثَى الآخِرَة ، بهاءٍ قال اللِّيْث : نَقِيضُ المتقدِّمَة ، وحَكَى ثعلبٌ : هُنَّ الأوَّلاتُ دُخُولاً والآخِرَاتُ خُرُوجاً . ويقال : في الشَّتْم : أبْعَدَ اللهُ الآخِرَ ، كما حكَاه بعضُهُم بالمدِّ وكسرِ الخاءِ ، وهو الغائبُ ، كالأخِير ، والمشهورُ فيه الأخِرُ ، بوزْنِ الكَبِدِ ، كما سيأْتِي في المُسْتَدرَكَات . والآخَر ، بفَتْحِ الخاءِ : أحَدُ الشَّيْئين ، وهو اسمٌ على أَفْعَلَ إلا أن فيه معْنَى الصِّفَةِ ، لأنّ أفْعَلَ مِن كذا لا يكونُ إلا في الصِّفة ، كذا في الصّحاح . والآخَرُ بمعنى غَيْرٍ ، كقولكَ : رجلٌ آخَرُ ، وثَوْبٌ آخَرُ : وأصلُه أفْعَلُ من أخَّر ( 1 ) ، أي تَأَخَّر ، فمعناه أشَدُّ تَأَخُّراً ، ثم صار بمعنَى المُغَايِرِ . وقال الأخْفَشُ : لو جعلتَ في الشِّعر آخِر مع جابِر لجازَ ، قال ابنُ جِنِّي : هذا هو الوجْهُ القويُّ ، لأنه لا يُحقِّقُ أحدٌ هَمزةَ آخِر ، ولو كان تَحقيقُها حَسناً لكان التحقيقُ حقيقاً بأن يُسمعَ فيها ، وغذا كان بدلاً البتَّةَ وَجبَ أنْ يُجْرى على ما أجْرَتْه عليه العربُ مَن مُراعاةِ لَفْظِه ، وتَنزيلُ هذه الهمزةِ مَنزِلةَ الألفِ الزائِدةِ التي لا حظَّ فيها للهَمْزِ ، نحو عالِمٍ وصابِرٍ ، ألا تراهم لمّا كَسَّرُوا قالوا : آخِرٌ وأوَاخِرُ ، كما قالوا : جابِرٌ وجَوابِرُ . وقد جَمَعَ امرؤُ القَيْسِ بين آخَرَ وقَيْصرَ ، بِوَهْمِ ( 2 ) الألفِ هَمزةً ، فقال : إذَا نَحنُ صِرْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً * وَرَاءِ الحِسَاءِ مِن مَدافِعِ قَيْصَرَا إذا قُلتُ هذا صاحبٌ قدْ رَضيتُه * وقَرَّتْ به العَيْنَانِ بُدِّلْتُ آخَرَا وتصغيرُ آخَرَ أُوَيْخِر ، جرتِ الألْفُ المخفَّفةُ عن الهمزِة مَجْرى ألفِ ضارِبٍ . وقوله تعالى : ( فآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهما ) ( 3 ) فَسَّره ثعلبٌ فقال : فمُسْلِمَان يَقُومانِ مَقَامَ النَّصْرانِيَّيْنِ يَحْلِفَان أنَّهُمَا اخْتَانَا ، ثم يُرْتَجَعُ على النَّصْرَانِيَّيْن . وقال الفَرَّاءُ : معناه : أو آخرَانِ مِن غيرِ دِينِكم مِن النَّصارَى واليَهُود ، وهذا للسَّفَر والضَّرَورة ، لأنه لا تَجُوز شهادةُ كافِرٍ على مُسْلم في غيرِ هذا . ج الآخَرُونَ بالواو والنُّونِ ، وأُخَرُ ، وفي التنزيل العزيز : ( فعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ) ( 4 ) . والأُنْثَى أُخْرَى وأُخْرَاةٌ ، قال شيخُنَا : الثّانِي في الأُنْثَى غيرُ مشهورٍ . قلتُ : نَقَلَه الصّاغَانيّ فقال : ومِن العَرَبِ مَن يقول : أُخْرَاتِكم بَدَلَ أُخْرَاكم ، وقد جاءَ في قولِ أبي العِيَالِ الهُذَلِيِّ : إِذا سَنَنَ الكَتِيبَةِ صدَّ * عَنْ أُخْرَاتِهَا العُصَبُ وأنشد ابنُ الأعرابيّ : ويَتَّقِي السَّيْفَ بأُخْراتِه * مِنْ دُونِ كَفِّ الجارِ والمِعْصَمِ وقال الفَرّاءُ في قولِه تعالَى : ( والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ ) ( 5 ) : مِن العربَ مَن يقولُ : في أُخْراتِكُم ، ولا يجوزُ في القراءة . ج أُخْرَيَاتٌ ، وأُخَرُ قال اللَّيْثُ : يُقال : هذا آخَرُ وهذه أُخْرَى ، في التَّذكيرِ والتَّأْنيثِ ، قال : وأُخَرُ : جماعةٌ أُخْرَى . قال الزَّجّاج في قوله تعالى : ( وأُخَرُ مِنْ شَكْلِه أَزْوَاجٌ ) ( 6 ) . أُخَرُ لا ينصرفُ ، لأن وُحْدَانَها لا ينصرفُ وهو أُخْرَى وآخَرُ ، وكذلك كلُّ جَمْعٍ على فُعَل لا يَنصرفُ إذا كان وُحْدانُه لا ينصرفُ ، مثل كُبَرَ وصُغَرَ ، وإذَا كان فُعَلٌ جمعاً لفُعْلَةٍ فإنه ينصرفُ نحو سُتْرَةٍ وسُتَرٍ ، وحُفْرَةٍ وحُفَرٍ ، وإذا كان فُعَل اسماً مصروفاً عن فاعل لم ينصرفْ في المَعْرفةِ ويَنصرفُ ( 8 ) في

--> ( 1 ) اللسان : من التأخر . ( 2 ) اللسان : توهم . ( 3 ) سورة المائدة الآية 107 . ( 4 ) سورة البقرة الآية 184 . ( 5 ) سورة آل عمران الآية 153 . ( 6 ) سورة ص الآية 58 . ( 7 ) اللسان : إذا كانت وحدانه لا تنصرف . ( 8 ) التهذيب : " وانصرف " وكلاهما سليم .